الجاحظ
29
البخلاء
حتى أردفه بالكلأ . وعبتموني حين ختمت على سدّ « 1 » عظيم ، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن رطبة غريبة ، على عبد نهم ، وصبي جشع ، وأمة لكعاء « 2 » ، وزوجة خرقاء . « 3 » وليس من أصل الأدب ، ولا في ترتيب الحكم ، ولا في عادات القادة ، ولا في تدبير السادة ، أن يستوي في نفيس المأكول ، وغريب المشروب ، وثمين الملبوس ، وخطير المركوب ، والناعم من كل فنّ ، واللباب من كل شكل ، التابع والمتبوع ، والسيد والمسود ، كما لا تستوي مواضعهم في المجلس ، ومواقع أسمائهم في العنوانات ، وما يستقبلون به من التحيات . وكيف وهم لا يفقدون ، من ذلك ، وما يفقد القادر ، ولا يكترثون له اكتراث العارف . من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمّن وأعلف حماره السمسم المقشّر . فعبتموني بالختم ، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق ، وختم على كيس فارغ ، وقال : « طينة خير من طنّة « 4 » » . فأمسكتم عمن ختم على لا شيء ، وعبتم من ختم على شيء . وعبتموني حين قلت للغلام : إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج ، لنجمع بين التأدّم « 5 » باللحم والمرق ، ولنجمع ، مع الارتفاق « 6 » ، بالمرق
--> « 1 » سد : سلَّة . « 2 » لكعاء : الخبيثة ، اللئيمة . « 3 » خرقاء : حمقاء . « 4 » طنة : الطنين ، أو لعلها الظنة . « 5 » التأدم : اتخذه إداما ، والإدام ما يجعل مع الخبز فيطيبه . « 6 » الارتفاق : الاستعانة ، المساعدة برفق .